إخوان الصفاء
129
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل واعلم أن الشريعة الإلهية هي جبلة روحانية تبدو من نفس جزئية في جسد بشري بقوة عقلية تفيض عليها من النفس الكليّة ، بإذن اللّه تعالى ، في دور من الأدوار والقرانات ، وفي وقت من الأوقات ، لتجذب بها النفوس الجزئية ، وتخلّصها من أجساد بشرية متفرقة ليفصل بينها يوم القيامة : « وليميز اللّه الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم » وقوله : « وينجي اللّه الذين اتقوا بمفازتهم » الآية . فصل واعلم يا أخي بأنه من تمام فضيلة واضع الشريعة أن تكون فيه اثنتا عشرة خصلة قد فطر عليها ، إحداها أن يكون تامّ الأعضاء ، قويّة قوائمه على الأعمال التي من شأنها أن تكون بها ومنها ، ومتى همّ أن يقضي عملا أتى عليه بسهولة . والثاني أن يكون جيّد الفهم سريع التصوّر لكل ما يقال له ويلقاه لفهمه على ما يقصد القائل به على حسب الأمر في نفسه . والثالث أن يكون جيّد الحفظ لما يفهمه ولما يسمعه ولما يذكره ، وبالجملة لا يكاد ينسى شيئا منها . والرابع أن يكون فطنا ذكيّا ذا رأي يكفيه لتبيّن أدنى دليل ، حتى إذا رأى على شيء أدنى الدليل فطن له على الجهة التي يدل عليها الدليل . والخامس أن يكون حسن العبارة يواتيه لسانه على ما في قلبه وضميره بأوجز الألفاظ . والسادس أن يكون محبّا للعلم والاستفادة منقادا له سهل القبول ، لا يؤلمه تعب العلم ولا يؤذيه الكدّ الذي يلحقه .